ملا محمد مهدي النراقي
218
جامع السعادات
( كل حزب بما لديهم فرحون ) 17 وإذا كان الأمر هكذا ، فأنى له لا يشكر الله على ذلك مع قطع النظر عن النعم العامة ؟ ولو لم يكن لشخص من نعم الله إلا الأمن والصحة والقوة لعظمت النعمة في حقه ، ولم يخرج عن عهدة الشكر . قال رسول الله ( ص ) : ( من أصبح آمنا في سربه ، معافى في بدنه ، وعنده قوت يومه ، فكأنما خيرت له الدنيا بحذافيرها ) . ومهما فتشت الناس ، لوجدتهم يشكون عن أمور وراء هذه الثلاث ، مع أنها وبال عليهم . بل لو لم تكن للانسان نعمة سوى الإيمان الذي به وصوله إلى النعيم المقيم والملك العظيم ، لكان جديرا به أن يستعظم النعمة ويصرف في الشكر عمره . بل ينبغي للعاقل ألا يفرح إلا بالمعرفة واليقين والإيمان . ونحن نعلم من العلماء من لو سلم إليه جميع ما دخل تحت ملوك الأرض من الشرق إلى الغرب ، من أموال وأتباع ، وأنصار وبلدان وممالك ، بدلا عن عشر عشير من علمه لم يأخذه ، لرجائه أن نعمة العلم تفضي به إلى قرب الله - تعالى - بالآخرة . بل لو سلم إليه جميع ذلك عوضا عن لذة العلم في الدنيا ، مع نيله في الآخرة إلى ما يرجوه ، لم يأخذه ولم يرض به ، لعله بأن لذة العلم دائمة لا تنقطع ، وثابتة لا تسرق ولا تغصب ، وصافية لا كدورة فيها بخلاف لذات الدنيا . فصل طريق تحصيل الشكر الطريق إلى تحصيل الشكر أمور : الأول - المعرفة والتفكر في صنائعه - تعالى - ، وضروب نعمه الظاهرة والباطنة والعامة والخاصة . الثاني - النظر إلى الأدنى في الدنيا وإلى الأعلى في الدين . الثالث - أن يحضر المقابر ، ويتذكر أن أحب الأشياء إلى الموتى وأهم سؤالهم ودعواهم من الله أن يردوا إلى الدنيا ، ويتحملوا ضروب الرياضات ومشاق العبادات في الدنيا ، ليتخلصوا في الآخرة من العذاب ،
--> ( 17 ) المؤمنين الآية : 54 . الروم ، الآية 32